السيد الطباطبائي
24
الإنسان والعقيدة
وقال سبحانه : لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ الآية « 1 » ؛ إذ التبديل فرع قبول التغيّر الذي هو من لوازم المادة والقوّة ، وعالم الأمر كما عرفت مبرّأ منها . وقال سبحانه : قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً « 2 » . وقال سبحانه : وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ الآية « 3 » . فتبيّن من جميع ذلك أنّ عالم الأمر مؤلّف من عوالم كثيرة مترتّبة بعضها ، لا تحديد ولا تقدير لموجوداتها ، غير أنّها معلولة له سبحانه ، بل هي موجودات طاهرة نوريّة متعالية دائمة غير نافذة ولا محدودة ، وبعضها يشتمل على موجودات نوريّة طاهرة غير نافذة لكنّها محدودة ، ويشتمل الجميع على جميع كمالات هذه النشأة الجسمانيّة ولذائذها ومزاياها ، بنحو أعلى وأشرف ، غير مشوب بنواقص المادة وأعدامها وكدوراتها وآلامها ، ولا حجاب يحتجب الحقّ سبحانه به عنها ، كلّ ذلك بحسب وجودهم ومراتب ذواتهم . ثمّ إنّ الحقّ سبحانه بيّن أنّ الروح من هذا العالم ، فقال تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا « 4 » . وممّا مرّ من البيان تعرف أنّ قوله سبحانه : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي يشتمل على بيان الحقيقة ، وليس استنكافا عن الجواب والبيان . فبيّن سبحانه أنّ الروح موجود أمري غير خلقي ، كما يومي إليه قوله تعالى : ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ
--> ( 1 ) سورة يونس : الآية 64 . ( 2 ) سورة الكهف : الآية 109 . ( 3 ) سورة لقمان : الآية 27 . ( 4 ) سورة الإسراء : الآية 85 .